صراع الواقعية مع الشخصية المثالية “الأبله”

عن رواية “الأبله”

هل الشخصيات المثالية ضائعة في الحياة؟ هل اذا حييت من اجل الخير او لاسعاد الآخرين ستكون النتيجة هي شقائك؟

هل تواضعك وطيبتك يجعلك ساذج في نظر أقرب الناس إليك؟

كل هذه الصراعات الداخلية عانى منها بطلنا ميشكين؛ 

تُري من هو ميشكين؟

هو الأمير ليون نيكولايفيتش ميشكين، بطل رواية الأبله للكاتب الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي.

شاب في أواخر العشرينات من عمره، يعتبر واحد من أعرق العائلات الروسية النبيلة كانت شخصيته ومسار حياته لا يشبهان أبداً أولئك الأمراء الذين يأمرون فيُطاعون.

بل هو شخص طيّب بسيط. برئ وعاطفي للغاية.

ماذا عن رواية الأبله؟

رواية الأبله هي واحدة من أهم أعمال دوستويفسكي في العصر الذهبي من الأدب الروسي، نُشرت متسلسلة في مجلة الرسول الروسي بين عامي ١٨٦٨ و ١٨٦٩.

اسمها يشير إلى بطلها الأمير ميشكين والذي عاد إلى روسيا بعد أن أمضى أربع سنوات رحلة علاج في سويسرا.

صور دوستويفسكي من خلاله الرجل الطيب الجميل بشكل لا يقبل الجدل، إنسان جميل ومتكامل تمامًا،ذات الشخصية الايجابية الجميلة التي تحمل أفضل جوانب الإنسان.

فهو صريح ومتفتح، لا يخفي مشاعره الحقيقية والتظاهر بعكسها من أجل كسب شئ أو للحفاظ على المظاهر.

لا يفكر في نفسه علي الاطلاق بل يهتم كثيراً لامور من حوله. الى جانب انه عطوف ورحيم جداً.

 تناول ديستويفسكي من خلاله صراع الإنسان النقي مع صراعات ونزاعات المجتمع الدنيوي.

ولم يكن الأمر يتمحور حول كيفية استجابة الرجل الصالح لهذا العالم فقط، ولكن كيف تفاعل العالم معه أيضًا.

كما تحدثت الرواية عن النفس البشرية وما قد يواجهها من تحديات وصراعات داخلية.

وحاول الكاتب تقديم بعض الحلول لتلك المشكلات بطريقة قصصية. كما خاطب ضمير الإنسان في هذه الرواية.

وكان ديستويفسكي يرى أن تجربة كتابة هذه الرواية لم تنجح تماماً، لكنها ظلت المفضلة لديه عن بقية أعماله.

استمع إليها الآن عبر تطبيق كتاب صوتي
من الرابط التالي: https://kitabsawti.app/6UNn

صراع المثالية مع العالم الحقيقي:

تناولت الرواية صدام الخير مع العالم الحقيقي. فلنتخيل سوياً ماذا يحدث لشخصية مثل ميشكين عندما تتعامل وتواجه العالم الحقيقي بما يحمله من المشاكل النفسية وحب الذات والكثير من النقائص البشرية؟

فقد كانت وجهة نظر دوستويفسكي أن الرجل النقي المثالي يتم التلاعب به، ويتعرض للسخرية والهجوم عليه من جميع من حوله مما يؤدي إلى تدمير نفسه ومثاليته. 

فقد دخل الامير ميشكين بشخصيته وما تحمله من نقاء ومثالية إلى عالم الفساد والانحلال الأخلاقي.

فقد كان يرى معظم شخصيات الرواية ميشكين على أنه يفتقر للفطنة والذكاء بسبب أفعاله الخيرة وقلبه الطيب وبساطته مما أطلقوا عليه الابله.

ولم يسلم قلبه من السخرية حتى تلقاها من الفتاة التي احبها وهي تدعي “أغلايا” فقد كانت تسخر منه كثيراًوتعاتبه بغضب على تواضعه المفرط وسذاجته على الرغم من حبها له.

حاول الأمير ميشكين مساعدة من حوله للتخلص من مساوئهم بالرغم من أن الكثير منهم ارتكبوا جرائم ضده ولكن قد باءت كل محاولاته بالفشل.

إلى ان وجد نفسه غريباً في ذلك المجتمع المهووس بالمال والسلطة والتلاعب.

ولكنه دائماً ما كان يضع المبررات لتصرفاتهم السيئة.

فمشكلة ميشكين أنه دخل إلى عالم أساسه هو المال، فكما نعلم أن المال من أعظم الاغراءات للإنسان وخاصة إذا كان يعيش في عالم فاسد.

فالجميع لديه الاستعداد للقيام بأي شيء من اجل الحصول علي المال، فالجميع يسيطر عليهم الطمع ماعدا الأبله.

ويأخذنا دوستويفسكي بعد ذلك إلى مشهد نهائي يعد واحداً من أقوى المشاهد في روايات الأدب العالمي فتُرى ماذا حدث لشخصية هذا الرجل المثالي الإيجابي الجميل؟

علاقة رواية الأبله بالواقع:

اعتاد دوستويفسكي علي محاكاة الواقع وهناك العديد ممن وصفوا رواية “الأبله” بأنها الأقرب إلى دوستويفسكي.

حيث جسد فيها قناعاته المقدسة الأكثر حميمية والقريبة من القلب والعديد من الجوانب الفلسفية.

كما قيل إن الرواية مأخوذة من حياته وتتضمن وصفًا لبعض أكثر المحن الشخصية التي عانى منها ، مثل:

الصرع وهو المرض الذي كان يعاني منه بطل الرواية ايضاً وتوهّم الإعدام.

ويستكشف الأفكار الأخلاقية و الروحية والفلسفية المترتبة عليها.

كان دوستويفسكي يعيش في سويسرا مع زوجته الجديدة بعد أن هرب من دائنيه وكان بطل الرواية ايضاً عائداً من سويسرا ولكنه كان في رحلة علاج.

استمع إليها الآن عبر تطبيق كتاب صوتي
من الرابط التالي: https://kitabsawti.app/6UNn

دوستويفسكي والدين:

من الملاحظ في اعمال دوستويفسكي انه غالباً ما كان يتطرق إلى الدين والإلحاد وصراعهما.

علي الرغم من انه نشأ في عائلة متدينة وكان يعرف الإنجيل.

كان دافعه الأساسي في كتابة الرواية هو إخضاع الهدف الأسمى وهو المحبة المسيحية الحقيقية إلى بوتقة المجتمع الروسي المعاصر.

وهناك العديد ممن قالوا انه اعطى الامير تشبيهاً بالمسيح بانه كالمسيح في عالم غير مسيحي حيث انه تحمل الإساءات التي قاموا بها ضده في مقابل أن يساعدعم في الابتعاد عن هذه السمات السيئة التي بهم.

وأنه كان يشعر بالتطهير في ألمه:

“لماذا تخلق الطبيعة أفضل الناس لتسخّرَ منهم بعد ذلك؟…

أنا لم أفسد أحداً..لقد أردت أن أحيا لسعادة الناس جميعهم.. لإكتشاف الحقيقة ونشرها..

ماذا كانت النتيجة؟ لا شيء! كانت النتيجة أنكم تحتقرونني، هذا دليل على أنني أحمق”.

بهذه العبارات يتحدّث الأمير ميشكين عن نفسه، تلك النفس التي تبدو ضعيفة أما جبروت البشر، بلهاء أمام المكر، بسيطة أمام التفاخر، غيبة أمام الرياء، هشّة امام الظلم.

ورائعة وقويّة وقادرة إزاء مشاعر الخير والحبّ والصداقة.

ف”الأبله” واحد من نماذج دوستويفسكي الإنسانية العظيمة.

استمع إليها الآن عبر تطبيق كتاب صوتي
 من الرابط التالي: https://kitabsawti.app/6UNn
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *