الكتاب الصوتي العربي.. البعث والتحديات

لا تزال المعرفة المتأتية من مطالعة الكتب، وليست المعرفة السكولائية الملَقَّنة تلقينا، تعد ضمن أبرز مؤشرات الرِفعة الحضارية الجمعية، وعبر المداومة على تعاطي المعارف فقط يمكن الإقرار باختصاص فرد ما بالحكمة التي هي في مَثَلِها مَثل مِرقاة يصعدُها الإنسان على مراحل إلى نقطة تقرُب حد الكمال.  وإذا كان علينا أن نضرب مثلا يعضد قولنا، فإليك به. إن المرء إذا ما بلغ منزلة الرجال منذ حين بعيد، وثقف نفسه تثقيفا محترَما، فإنه يصبح ومن أول ما تمجه نفسُه انخراطُها في الشأن السياسي، ليس من حيث التعليق عليه بقدر ما هو من حيث المشاركةُ فيه مشاركة مباشِرة لا خير فيها. وإذا ما أراد أن يعيب على قومه بعض ما هم عليه من عادات غارت في تكوينهم الاجتماعي أو أن ينقِض بعض المُثُل السائدة، فإنه يرى بوارَه في أن يشهِر سيف حِكمته البتار على قومه هؤلاء، وإنما يصطنع التورية والباطنية فيما يرجو من مآرب إصلاحية.
كيف وهذا شأن الثقافة العظيم، ولا تتعدد سبل تحصيل المعارف وتوسيعها.

الكتاب الصوتي.. وسيط معرفي لا يخلو من مآنسة

لا يزال الهدف المقصود من “الأسلوب” في الكتابة ومن علامات الترقيم تيسير التنفس للقارئ وحسن وقع الصوت على المستمع، وإن كنا قد أصبحنا نتلقى الثقافة بعد انتشار الطباعة عن طريق العين، وإن كانت الكتب قلما تقرأ جهرة.

واليوم يشهد سوق الكتاب العالمي ازدهارا في اللون الصوتي من الكتب، وتقف عدة أسباب من وراء هذا الازدهار. أولها نزعة الإنسان الحديث إلى اقتناء وجمع الأغراض الخفيفة الوزن، منخفضة الكلفة، ولذا كان الكتاب الصوتي، إلى جانب الكتاب الإلكتروني، يلبيان ذلك التطلع العصري، ويناسبان دخل الأفراد المقبلين على القراءة إقبالا نهما متهافتا.
كذلك فإن أسلوب القراءة في الكتاب الصوتي يغري بالاطلاع والاصطبار على تثقيف النفس، إذ أنه من السهل لمن جرب الاستماع إلى الكتب الصوتية الجيدة أن يقارن بين القراءة المباشرة للكتاب، وبين الاستماع إليه يقرأ من طرف قارئ متفنن في قِراءته.
وإذا ما أخذت الصيغة الصوتية للكتاب تغزو سائر أنحاء العالم المتمدن، فأغلب الظن أن الأجيال القادمة ستعود إلى ما كان عليه الأقدمون فتتلقى غذاءها العقلي عن طريق الأذن.

الكتاب الصوتي.. سوق عمل يوفر فرصا متجددة

لا تزال المدنية الحديثة تفي للإنسان بعهدها له أول ما أنشأها، وكلما تقدم بها العهد واستقر نظامُها ولم تتخللها الحروب والاضطرابات، وفرت فرص عيش أفضل للأفراد والأسر، وضاعفت وسائط المتعة والتسلية، وأزهرت في كل ميدان. والكتاب ميدان مزدهر بازدهار المدنية الحديثة، وقد أبرم -هذا الميدان- علاقة ثابتة الأساس بين الكاتب وقراءه، فوفر للأول طائفة من المغريات لإنتاج البدائع في بابه، وللثاني سقاية العقل واكتساب سِحر الشخص الواسع العلم.
ويأتي الكتاب الصوتي بحلته العصرية الجديدة فيعزز هذه العلاقة، ويخلع عليها لباسا جديدا من الإمتاع، ويجعل اقتناء الكتب أمرا أكثر يُسرا. لكن ذلك اللون المحْدث من هذه الرابطة بين الكاتب وقرائه تتشعب بقدوم الكتاب الصوتي، إذ يتوسط قارئ ذو موهبة يكسب عيشه من هذه الصناعة بين الكاتب وقرائه (المستمعون)، ومهندسو صوت محترفون. وإذاً، فلم يتبقى لنا غيرَ شيء يسير، موقع العرب من هذا والتحديات الحاضرة التي تعترض طريق الكتاب الصوتي العربي.

الكتاب الصوتي العربي.. التحديات في البدايات

لا يزال القول يتردد أن كل جدة لها إرهاصاتُها، ولكل بداية تحدياتها. والكتاب الصوتي في البلاد العربية يعيش لحظات موْلده الأولى، بعد أكثر من عشر سنوات على ظهور أول مبادرة من هذا القبيل. بيدَ أن كافة ما ستجد على الشبكة من كتُب صوتية قد قُدِّمت بمجهود فردي، ولذلك يعوزها في الأعم الأغلب الإخراج الدقيق والإعداد الحريص على قراءة النص قراءة سليمة لا خللَ فيها.

وعندما شرَعَ هذا الضرب المعرفي ينحو منحا تجاريا خلال العامين الماضيين، أخذت مشاكل أخرى تطفو على السطح. أولها معارض الشك في قبول القارئ العربي لتلك الصيغة. ولكن حين أبدت التجربة مدى بهجة القارئ العربي وسروره بالمعرفة عن طريق الأذن، اعترضت العاملين في هذا المجال المشكلة التالية. ذلك أنه لما كان لهذه الفكرة حظ وافر من الجدة والغرابة في العالم العربي، فإن تعرف الناشرين العرب إليها وفهمها فهم إحاطة تامة، ومن ثمة قبولها فالإقبال عليها، بدا كأنما سيستغرق وقتا طويلا.

وثالثة المشاكل صعوبة العثور على قراء حاذقين، يخلعون على العمل الذي يعهد إليهم إعداده وتسجيله في أستوديوهات شركات الإنتاج روح الموازنة بين النص والصوت، وضبط القراءة ضبطا دقيقا بحيث تتدفق وِفق علامات الترقيم وما يمليه النص، وذلك لا لبسَ عائد إلى أن أغلب القراء العاديين، بل والمثقفين أيضا، لم يقرأوا في حياتهم نصا واحدا جهرة، اللهم إلا في المدرسة الابتدائية، حين كان بينهم وبين الثقافة شوط بعيد.
ودعنا من تعداد المشاكل، فإن النص يطول أو يقْصُر بإغراقنا في إحصاء هذه التحديات والخوض فيها. وأظنك لا تحب أن تطول مقالتنا هذه أكثر من ذلك.

وقصارى القول أن منتج الكتب الصوتية في العالم العربي ما يزال دؤوبا في عمل لا يعرف الكلل، ويصل فريقه الذي يضم قراء ومهندسين وخبراء ومستشارين الليل بالنهار لئلا يهدف نفسَه لسِهام نقد أولئك الفاحصين فحصا دقيقا عن مَثالب كل جديد، وإن تقدم الأيام واستحواذ الكتاب الصوتي على الاهتمام الأقصى الذي هو خليقٌ به، واستعارة التقنيات الغربية، وتقديم مزيد من الأعمال الشامخات في نسَخ صوتية، إن ذلك جميعا لَكفيل بتَسامي هذا الوسيط المعرفي، وازدهار سوقه، وتهيئته لفرص عمل متميزة للمزيد من الشباب العربي.

 

بقلم:

عبد الكافي عبد الحميد